عبد الملك الجويني

464

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولمن نصر المذهبَ أن [ يَنْفصل ] ( 1 ) ويقول : السُّكْر محبوبٌ في الجبلات ، فلا يمتنع أن يُلحق بالمعاصي ، حتى ينزجر الناس من ( 2 ) التسبب إليه ، ولولا السكر لما اعتمدَ الشربَ ، فإن الخمر مرة بشعة ( 3 ) . 1332 - ومنها أن الرجل إذا تسبَّب إلى إزالة عقل نفسه بسبب ما يُجِنّ ، فإذا جُنَّ ، ثم أفاق ، فالمذهب أنه لا يلزمه قضاء الصلاة التي فاتته في جنونه ، وليس كالصلوات التي تمر مواقيتها في زمان السكر ، فإنّ الجنون منافٍ لتبعات التكليف . وذهب بعض أصحابنا إلى أنه مأمور بقضاء الصلوات من جهة تسببه إلى جلب الجنون ، كما لو تسبب إلى السكر ، وهذه الصورة مرتبة على التي قبلها ، وهي إذا ردّى نفسه من شاهق ، فانخلعت قدماه ؛ فإنه في تلك الصورة لم يخرج عن كونه مكلفاً . ولو كانت المرأة حاملاً ، فاستجهضت جنينها ونفِست ( 4 ) ، فالوجه القطع بأن ما يفوتها من الصلوات في زمان النفاس لا يلزمها قضاؤه . وقد ذكر بعض الأصحاب في ذلك وجهاً بعيداً في وجوب القضاء ، من جهة انتسابها إلى تحصيل هذه الحالة المنافية ، وهذا أبعد الوجوه ، وهو حريٌّ بألاّ يُعد من المذهب أصلاً . وقد ذكرنا فيما تقدم أن المرتدة إذا حاضت ( 5 ) وطهرت ، وأسلمت ، لم يلزمها

--> ( 1 ) في جميع النسخ : ( يتفضل ) ، وهو تصحيف ظاهر ، والمثبت تقدير منا ، رعاية للمعنى ، فالمعنى أن الذي ينصر المذهب في عدم إعادة العاصي بإلقاء نفسه ، للصلوات التي صلاها قاعداً ، له أن ينفصل عن اعتراض من يرى الإعادة مستشهداً بالسكر ، ومؤاخذة السكران مدة سكره - فيقول فارقاً بين من ألقى نفسه من شاهق ، ومن شرب خمراً : إن السكر محبوب ، مرغوب في الجبلات . . . إلخ . ثم إن إمام الحرمين يجري على لسانه لفظ ( ينفصل ) كثيراً كمصطلح جدلي ، بمعنى دفع الاعتراض ، كما هو وارد في هذا الموضع . ( 2 ) كذا ، وهي صحيحة ، فإن ( مِن ) تأتي لمعانٍ منها أن تكون مرادفة ل‍ ( عَنْ ) ، في القرآن الكريم : { يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا } [ الأنبياء : 97 ] وانظر مغني اللبيب : 423 . ( 3 ) بشعة : كريهة . من بشع الطعام بَشَعاً : صار طعمه كريهاً . ( المعجم ) . ( 4 ) بكسر الفاء لا غير ، وفي النون الفتحُ والضم . ( تهذيب الأسماء واللغات ) . ( 5 ) بدأ من هنا [ آخر 61 ش ] خرم من نسخة الأصل حيث سقطت ورقتان كاملتان ( 62 ، 63 ) وهو =